لماذا يكذب الكفار بالرسل

كتابة - آخر تحديث: الجمعة ٢١ يوليو ٢٠١٩
لماذا يكذب الكفار بالرسل

لماذا يكذب الكفار بالرسل

يقوم الكُّفار بتكذيب الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- لأسبابٍ عدَّة، ولكنَّها تكاد تجتمع في أمرٍ واحدٍ مُشتركٍ بينها جميعاً؛ ألا وهو أنَّ تكذيب الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- يُعدُّ الوسيلة الأقوى والتي يتمكَّن الكافر من خلالها من التَّحرر من قُيود الدِّين وتوجيهاته وتعالميه؛ فبدلاً من الاستجابة للدَّعوة والخُضوع والانقياد لأومراه سُبحانه، واتباع رُسله الكِرام، يقوم الكافر برمي الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- بتُهمٍ عدَّة تتعلَّق في صدقهم أو في رُشدهم؛ فيصِفونهم بالضَّلال والجُنون والسَّفه، لِيُبرِّروا لأنفسهم عدم قبولهم لدعوة الله -تعالى- التي جاءتهم على لسان أشرف الخَلق، والذين اصطفاهم الله -تعالى- لحمل الدَّعوة إلى النَّاس جميعاً.[١]


كما أنَّهم يصفون ما جاء به الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- من وحيٍ وكتبٍ سماويَّة على أنَّه أساطير الأوَّلين، وأنَّه محضُ كذبٍ وافتراء، قال -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَـذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ).[٢] وبهذا ومن خلال اتِّهام كلٍّ من الرُّسل وكتبهم السَّماوية، يُحرِّر الكافر نفسه من أعباء اتباع محتوى الرِّسالة السَّماوية، ويظنُّ بذلك أنَّه حُرّ، وما عرف أنَّه بتركه للعُبوديَّة لله -تعالى- صار عبداً لكلِّ ما سِواه.[١]


الحرص على المصالح الشخصية

واحدٌ من الأسباب التي دفعت الكفَّار لتكذيب الرُّسل الكِرام؛ هو تَضارب مصالحهم الشَّخصية بما جاء به الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام-؛ ومن ذلك ما حصل عند قدُوم النَّبي مُحمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- لقومه بالنُّبوة والدَّعوة إلى توحيد الله تعالى، وترك كلِّ معبودٍ سواه، ليُحاربه قومه ويُعادوه أشدَّ العداء؛ لأنَّ دعواه كانت تتعارض بشكلٍ كبيرٍ مع مصالحهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتي كانت تقوم بالأساس على الشِّرك بالله -تعالى- واتِّخاذ الأوثان من دونه؛ حيث كانت مكَّة المُكرَّمة تضمُّ الأصنام العديدة والتي بلغ عددها ثلاثمئة وستُّين صنماً، والتي كانت تنتمي القبائل العربية، ممَّا يضمن لهم توافد هذه القبائل على مكَّة المُكرَّمة فيؤدِّي ذلك إلى تحقيق الأرباح الوفيرة الناتجة من إزدهار حركة البيع والشراء، بالإضافة إلى المكانة الدِّينية الكبيرة التي كانت تحظى بها مكَّة المُكرَّمة بين القبائل العربية المختلفة، لكلِّ ذلك لم يُرد مشركي مكَّة التَّخلي عن مصالحهم في مُقابل الرُّضوخ لدعوة الحقِّ والانقياد للخالق -سُبحانه-.[٣]


وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ من تزعَّم تكذيب الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانوا هم أصحاب النُّفوذ والسَّطوة والمصالح؛ وكلَّما كانت مصالحهم أكبر كان تصدِّيهم للرِّسالة أعتى وأشدّ، وبذلوا جُهدهم بشتَّى الوسائل للحيلولة بين النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وبين نشره للدَّعوة وإيصالها لجميع النَّاس.[٤] ويُظهر هذا مقدار العناد والتَّعنت، الذي قد يكون سببه عَظمة السُّلطان والمُلك والجاه، والذي يُعمي الإنسان عن الحقِّ ويجعله لاهِثاً وراء مصالحه الشَّخصية، مُلقياً وراء ظهره كلَّ المبادئ والقِيم.[٥]


العناد والاستكبار

من الأسباب التي يُكذِّب الكُفَّار بسببها الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- العناد والاستكبار والحَسد؛ إذ إنَّ الحقَّ واضحٌ جليٌّ ولكنَّ عناد البعض واستكبارهم عن الخضوع له يَحول بينهم وبين قُبولهم له، قال -تعالى-: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)،[٦] وهنا يُبيِّن الله -تعالى- في الآية الكريمة أنَّ سبب التَّكذيب لم يكن عدم التَّصديق؛ بل إنَّهم كانوا مُتيقِّنين من صدق الرَّسول، ولكنَّ عُلوَّهم واستكبارهم مَنَعهم من الانقياد للحقِّ والتَّسليم لله -تعالى-.[٧]


ومن الأمثلة على الأقوام الذين كان دافعم في التَّكذيب العِناد والاستكبار قوم النَّبي محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم-؛ فقريش علِمت بصدق نُبوَّته وهو الصَّادق الأمين بوصفهم وشهادتهم، ولكنَّهم كذَّبوه لعنادهم وتكبُّرهم على الحقِّ، وأمَّا اليهود فكان دافعهم الأوَّل في التَّكذيب الحَسَد؛ إذ إنَّهم لم يستطيعوا تقبُّل خروج رسولٍ من العرب بدلاً من أن يَخرج من بين ظَهرانِيهم، فكان حسدهم سبباً لمُحاربتهم لرسالة الحقِّ.[٨]


ويجب القول هنا إلى أنَّ بعض الضُّعفاء لم يُنكروا الحقَّ عناداً وإستكباراً، وإنَّما أنكروه مُتابعةً منهم للأقوياء؛ فرفضوا كلَّ ما رفضه أسيادهم تتبُّعاً لمصالحهم وخوفاً من سخطهم عليهم، فنبذوا كلَّ ما نبذه أسيادهم وبقوا على ما هم باقين عليه.[٩] وفي المحصِّلة سواء كان التَّكذيب عناداً واستكباراً أم متابعةً للقويِّ وتقليداً له؛ يُطمئن الله -تعالى- رسوله الكريم أنَّ تكذيبهم له ليس لرسالته ولشخصه، بل هو ظُلمٌ منهم لأنفسهم، قال -تعالى-: (قد نَعلَمُ إِنَّهُ لَيَحزُنُكَ الَّذي يَقولونَ فَإِنَّهُم لا يُكَذِّبونَكَ وَلـكِنَّ الظّالِمينَ بِآياتِ اللَّـهِ يَجحَدونَ).[١٠][١١]


تقليد الآباء

يُعدُّ تقليد الآباء في عقيدتهم من الأسباب القويَّة التي كذَّب الكفاَّر الرُّسل من أجلها؛ إذ إنَّ الكفَّار لم يشاءوا التَّخلي عمَّا ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من العقائد وإن كانت باطلة، بل فضَّلوا الاستمرار في الضَّلالة بدلاً من اتباع طريق الهداية.[١٢] فلم يكن سبب تكذيب هؤلاء افتقارهم إلى الحِجَج والأدلّة على وجود الله -تعالى- ووحدانيَّته، ولا تكذيبهم لِما جاء به الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام-، ولا تكذيبهم لعقيدة البعث؛ بل كانوا في قرارة أنفسهم مُقرِّين بكلِّ هذه الحقائق، ولكنَّهم قرَّروا وبملء إرادتهم الحرَّة نبذ الحقيقة والاستمرار على خُطى عقائدهم البالية،[١٣] قال -تعالى- مُبيِّناً هذا السبب في تكذيب الرُّسل: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)،[١٤] وفي آية أخرى قال: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ* فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ).[١٥][١٦]


وعندما سأل إبراهيم -عليه الصَّلاة والسَّلام- قومَه عن سبب عبادتهم للأصنام قالوا: (إِذ قالَ لِأَبيهِ وَقَومِهِ ما هـذِهِ التَّماثيلُ الَّتي أَنتُم لَها عاكِفونَ* قالوا وَجَدنا آباءَنا لَها عابِدينَ)،[١٧] فدلَّت هذه الآيات على أنَّ السَّبب في التَّكذيب؛ كان الاتّباع الأعمى لعقيدة الآباء الباطلة، مع معرفتهم العميقة أنَّ هذه الأصنام لا تضرُّ ولا تنفع، قال -تعالى-: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ* قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).[١٨] فكانت عبادتهم لآلهة آبائهم من باب التَّقليد الأعمى، لا عن عقيدةٍ مبيَّنةٍ على الاقتناع العقليِّ بالأدلَّة والبراهين.[١٩]


حكم تكذيب الرسل

دعوة الرُّسل -عليهم الصَّلاة والسَّلام- واحدةٌ في مضمونها ومحتواها؛ إذ إنَّها جميعها جاءت للدَّعوة إلى توحيد الله -عزَّ وجلّ-، ونبذ كلِّ ما سواه من المعبودات الباطلة، قال -تعالى-: (وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّـهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ)،[٢٠] لذا فمن كذَّب رسولاً واحداً كان حُكمه كمن كذَّب الرُّسل جميعاً، ومن كذَّب جزءاً من الرِّسالة كان كمن كذَّب بالرسالة كلِّها، ومن كذَّب بعض الرُّسل كان مُكذِّباً لهم جميعاً، وأمرَ الله -تعالى- بالإيمان بجميع رُسله وعدم التَّفرقة بينهم في الإيمان، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)[٢١][٢٢]


يُعدُّ المُكذِّب للرُّسل؛ سواء كذّبهم جميعهم أم بعضهم، أم كذَّب واحداً منهم، يُعدُّ بذلك كافراً كما وصفه الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا* أُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا)،[٢٣] إذ أطلق الله -تعالى- صِفة الكُفر لمن كذَّب برسله أو فرَّق بينهم بالإيمان فآمن ببعضهم وكفر بالبعض الآخر بأنَّهم هم الكافرون حقاً.[٢٤] لذا يُعدُّ تكذيب الرُّسل واحداً من الأمور التي يكفُر بها الشَّخص، سواء كان هذا التَّكذيب تكذيب الرَّسول ودعوته وعدم الاعتقاد بصدقه، وهذا قليلاً ما يحدث، أم كان تكذيبُه باللِّسان مع اعتقاده من الدَّاخل بصدق الرَّسول، ولكنّ المدعو يكذّب الرسول عناداً واستكباراً، فكِلا الأمران يؤدِّيان إلى الكُفر.[٢٥]


المراجع

  1. ^ أ ب عبدالله الأهدل، السباق إلى العقول، السعودية: موقع وزارة الاوقاف السعودية، صفحة 39، جزء 2. بتصرّف.
  2. سورة القصص، آية: 36.
  3. أكرم العمري (1994)، السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية (الطبعة السادسة)، السعودية: مكتبة العلوم والحكم، صفحة 147، جزء 1. بتصرّف.
  4. محمد الدبيسي (2010)، السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية، صفحة 346. بتصرّف.
  5. وهبة الزحيلي (1418)، التفسير المنير للزحيلي (الطبعة الثانية)، سوريا: دار الفكر المعاصر، صفحة 237، جزء 11. بتصرّف.
  6. سورة النمل، آية: 14.
  7. أحمد حطيبة، تفسير أحمد حطيبة، صفحة 1، جزء 254. بتصرّف.
  8. سفر الحوالي، شرح الطحاوية، صفحة 1598. بتصرّف.
  9. أحمد حطيبة، تفسير أحمد حطيبة، صفحة 1، جزء 254. بتصرّف.
  10. سورة الأنعام، آية: 33.
  11. صالح الفوزان (2005)، شرح مسائل الجاهلية (الطبعة الاولى)، السعودية: دار العاصمة للنشر والتوزيع، صفحة 165. بتصرّف.
  12. أسعد حومد، أيسر التفاسير، صفحة 1056. بتصرّف.
  13. صديق حسن خان (1992)، فتح البيان في مقاصد القرآن، لبنان: المكتبة العصرية، صفحة 392، جزء 12. بتصرّف.
  14. سورة الزخرف، آية: 23.
  15. سورة الصافات، آية: 69،70.
  16. محمد فاضل (2005)، التضمين النحوي في القرآن الكريم (الطبعة الاولى)، السعودية: دار الزمان، صفحة 105، جزء 2. بتصرّف.
  17. سورة الأنبياء، آية: 52،53.
  18. سورة الشعراء، آية: 74،73،72.
  19. صالح الفوزان، عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك، صفحة 23. بتصرّف.
  20. سورة النحل، آية: 36.
  21. سورة النساء، آية: 152.
  22. أبو المنذر المنياوي (2005)، الجموع البهية للعقيدة السلفية (الطبعة الاولى)، مصر: مكتبة ابن عباس، صفحة 420، جزء 2. بتصرّف.
  23. سورة النساء، آية: 150،151.
  24. مجموعة من المؤلفين (1421)، أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (الطبعة الاولى)، السعودية: وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد، صفحة 153. بتصرّف.
  25. مجموعة من المؤلفين، مجلة البحوث الاسلامية، صفحة 281، جزء 77. بتصرّف.